فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشنقيطي:

قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ}. الآية.
اعلم أولا أن المراد بهذه الأشهر الحرم أشهر المهلة المنصوص عليها بقوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر لا الأشهر الحرم التي هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب على الصحيح وهو قول ابن عباس في رواية العوفي عنه.
وبه قال مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد ابن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمان بن زيد بن أسلم واستظهر هذا القول ابن كثير لدلالة سياق القرآن الكريم عليه ولأقوال هؤلاء العلماء خلافا لابن جرير وعليه فالآية تدل بعمومها على قتال الكفار في الأشهر الحرم المعروفة بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة وقد جاءت آية أخرى تدل على عدم القتال فيها وهي قوله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} الآية.
والجواب: أن تحريم الأشهر الحرم منسوخ بعموم آيات السيف ومن يقول بعدم النسخ يقول: هو مخصص لها.
والظاهر أن الصحيح كونها منسوخة كما يدل عليه النبي صلى الله عليه وسلم في حصار ثقيف في الشهر الحرام الذي هو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن في شهر شوال فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع إليهم لجأوا إلى الطائف فعمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما وانصرف ولم يفتحها فثبت أنه حاصر في الشهر الحرام وهذا القول هو المشهور عند العلماء وعليه فقوله تعالى: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ناسخ لقوله: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} وقوله: {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ} وقوله: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ} الآية.
والمنسوخ من هذه ومن قوله أربعة حرم هو تحريم الشهر في الأولى والأشهر في الثانية فقط دون ما تضمنتاه من الخبر لأن الخبر لا يجوز نسخه شرعًا. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}
أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: هي الأربعة عشرون من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشرون من شهر ربيع الآخر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: عشر من ذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، سبعون ليلة.
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} قال: هي الأربعة التي قال: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [براءة: 2].
وأخرج ابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم...} الآية. قال: كان عهد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش أربعة أشهر بعد يوم النحر، كانت تلك بقية مدتهم ومن لا عهد له إلى انسلاخ المحرم، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم إذا مضى هذا الأجل أن يقاتلهم في الحل والحرم وعند البيت، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: كل آية في كتاب الله تعالى فيها ميثاق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أحد من المشركين، وكل عهد ومدة نسخها سورة براءة {خذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد}.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله: {واحصروهم} قال: ضيِّقوا عليهم {واقعدوا لهم كل مرصد} قال: لا تتركوهم يضربون في البلاد ولا يخرجون التجارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رضي الله عنه قال: الرباط في كتاب الله تعالى: {واقعدوا لهم كل مرصد}.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ثم نسخ واستثنى فقال: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} وقال: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6].
أما قوله تعالى: {فإن تابوا} الآية.
أخرج ابن ماجة ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان من طريق الربيع بن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فارق الدنيا على الإِخلاص لله وعبادته وحده لا شريك له، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فارقها والله عنه راض»، قال أنس رضي الله عنه: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم من قبل هوج الأحاديث واختلاف الأهواء. قال أنس: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى في آخر ما أنزل: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} قال: حرمت هذه دماء أهل القبلة.
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} قال: فإنما الناس ثلاثة نفر. مسلم عليه الزكاة، ومشرك عليه الجزية، وصاحب حرب يأتمن بتجارته إذا أعطى عشر ماله.
وأخرج الحاكم وصححه عن مصعب بن عبد الرحمن عن أبيه رضي الله عنه قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، ثم انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة، ثم ارتحل غدوة وروحة، ثم نزل ثم هجر، ثم قال: «أيها الناس إني لكم فرط، وإني أوصيكم بعترتي خيرًا موعدكم الحوض، والذي نفسي بيده لتقيمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن عليكم رجلًا مني أو كنفسي فليضربن أعناق مقاتلهم وليسبين ذراريهم، فرأى الناس أنه يعني أبا بكر أو عمر رضي الله عنهما، فأخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: هذا».
وأخرج ابن سعد عن عبد الرحمن بن الربيع الظفري رضي الله عنه- وكانت له صحبة- قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل من أشجع تؤخذ صدقته، فجاءه الرسول فرده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب فإن لم يعط صدقته فاضرب عنقه». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله تعالى: {فَإِذَا انسلخ الأشهر الحرم} الآية.
قال الليثُ: يقال سلختُ الشهر: إذا خرجت منه.
والانسلاخُ هنا من أحسن الاستعارات، وقد بيَّن ذلك أبو الهيثم، فقال: يقال: أهْللنا شهر كذا، أي: دخلنا فيه، فنحنُ نزداد كلَّ ليلةٍ منه إلى مضيِّ نصفه لباسًا، ثم نسلخه عن أنفسنا جزءًا فجزءًا إلى أن ينقضي وينسلخ؛ وأنشد: [الطويل]
إذا مَا سَلخْتُ الشَّهْرَ أهلَلتُ مِثلهُ ** كَفَى قَاتِلًا سَلْخِي الشُّهُورَ وإهْلالِي

والألف واللام في {الأشهر} يجوز أن تكون للعهد، والمراد بها: الأشهرُ المتقدمة في قوله: {فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2]، والعربُ إذا ذكرت نكرة، ثم أرادت ذكرها ثانيًا أتت بضميره؛ أو بلفظه مُعرَّفًا بأل، ولا يجوز حينئذ أن نصفهُ بصفةٍ تُشْعر بالمغايرة، فلو قيل: رأيت رجلًا، فأكرمتُ الرَّجل الطَّويل لمْ تُرد بالثَّاني الأول وإن وصفته بما لا يقتضي المغايرة جاز، كقولك: فأكرمت الرجل المذكور، ومنه هذه الآية، فإنَّ {الأشهر} قد وصفت بـ {الحُرُم}، وهي صفةٌ مفهومة من فحوى الكلام فلم تقتض المغايرة، ويجوزُ أن يراد بها غيرُ الأشهر المتقدمة، فلا تكون أل للعهد وقد ذكر المفسرون الوجهين.
قوله: {واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ}.
في انتصاب {كل} وجهان:
أحدهما: أنه منصوبٌ على الظرف المكاني.
قال الزجاج نحو: ذهبت مذهبًا.
وردَّ عليه الفارسيُّ هذا القول من حيث إنَّه ظرف مكان مختص، والمكانُ المختصُّ لا يصلُ إليه الفعلُ بنفسه بل بواسطة؛ في نحو: صَلَّيْتُ في الطريق وفي البيت، ولا يصل بنفسه إلاَّ في ألفاظٍ محصورةٍ بعضها ينقاس، وبعضها يسمع، وجعل هذا نظير ما فعل سيبويه في بيت ساعدة: [الكامل]
لَدْنٌ بِهزِّ الكفِّ يعْسِلُ متنهُ ** فيهِ كما عسل الطَّريقَ الثَّعْلَبُ

وهو أنَّهُ جعله ممَّا حذف فيه الحرفُ اتِّساعًا، لا على الظرف، لأنه ظرف مكان مختص.
قال أبو حيَّان إنه ينتصبُ على الظرف؛ لأنَّ معنى {واقعُدُوا} لا يراد به حقيقةُ القعود، وإنما يراد: ارصدوهم، وإذا كان كذلك فقد اتفق العامل والظرف في المادة، ومتى أتفقا في المادة لفظًا، أو معنًى، وصل إليه بنفسه، تقول: جلست مجلس القاضي، وقعدت مجلس القاضي، والآيةُ من هذا القبيل.
والثاني: أنه منصوبٌ على إسقاط حرف الجر، وهو على، أي: على كلِّ مرصد قاله الأخفشُ، وجعله مثل قول الآخر: [الطويل]
تَحِنُّ فتبدي مَا بِهَا مِنْ صبابَةٍ ** وأخْفِي الذي لَوْلاَ الأسَى لَقَضانِي

وهذا لا ينقاس، بل يقتصر فيه على السَّماع، كقوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ} [الأعراف: 16]، أي: على صراطك، اتفق الكل على تقدير على، وقال بعضهم: هو على تقدير الباء، أي: بكل مرصد، نقله أبو البقاء، وحينئذٍ تكون الباء بمعنى في فينبغي أن تقدَّر في لأنَّ المعنى عليها؛ وجعله نظير قول الشاعر: [الوافر]
نُغَالِي اللَّحْمَ للأَضْيَافِ نَاسِيًا ** أنَّ المنيَّةَ للْفَتَى بالمَرْصَدِ

والمِرْصَادُ: المكانُ المختص بالترصُّد، والمرصد: يقع على الرَّاصد، سواءً كان مفردًا أم مثنى أم مجموعًا، وكذلك يقع على المرصُودِ.
وقوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} [الجن: 27] يحتمل كلَّ ذلك؛ وكأنَّهُ في الأصل مصدر، فلذلك التزم فيه الإفرادُ والتذكيرُ.
ومعنى الآية: اقعدوا لهم على كلِّ طريق- والمرصدُ: الموضعُ الذي يرقب فيه العدو يريد: كونُوا لهم رصدًا، لتأخذوهم من أي وجه توجهوا. اهـ. باختصار.